لماذا يأتى الأجانب الى أوكرانيا للقتال؟

أوكرإنفورم
لماذا يأتى الأجانب الى أوكرانيا للقتال؟
قصص المقاتلين الكولومبيين الذين ينفذون مهام قتالية في منطقة زابوريجيا ضمن المجموعة التكتيكية "ريفانش"، التابعة للفيلق الدولى للاستخبارات العسكرية الأوكرانية بوزارة الدفاع الأوكرانية.

وصل المتطوعون الاجانب من كولومبيا الى أوكرانيا لغرض المشاركة في القتال. وسبق لهم ان خاضوا معارك في منطقتي كورسك وسومى، فيما ينفذون حاليا مهام قتالية بالغة الصعوبة على محور مدينة زابوريجيا، من بينها دعم الوحدات الأوكرانية في تطهير بلدة ستيبنوهيرسك من القوات الروسية.

والتقى صحفيو وكالة "أوكرإنفورم" بالمقاتلين الكولومبيين الذين يدافعون عن المداخل المؤدية الى زابوريجيا، في أحد ميادين التدريب حيث كانوا يخضعون لتدريب عسكرية. وكان يساعدنا على التواصل معهم مترجم يحمل الاسم الحركي "الإسباني". وأوضح أنه يُعد هدفا ذا الاولوية للقوات الروسية، ويدرك أن التواصل والتنسيق بين الطرفين المتحاربين قد يصبح بالغى العوبة من دونه.

الإسباني المهم

لقد حصل على الاسم الحركى الخاص به بفضل معرفته باللغة الإسبانية. عاش الشاب في إسبانيا لما يقرب من عشر سنوات. وعاد إلى أوكرانيا قبل الغزو الروسي الشامل، والتحق بجامعة كييف الوطنية، لكنه لم يتخرج لأنه قرر الدراسة ليصبح شرطيًا. ثم حصل على شهادة في القانون أثناء الحرب.

وشرح "الإسبانى" قراره بالانضمام إلى صفوف القوات المسلحة الأوكرانية: "لدي أخت، وزوجها بمثابة أخ لي. انضم إلى الجيش بعد بضعة أشهر فقط من ولادة ابنته. أنا أحترمه كثيرًا وأحاول أن أقتدي به. لذا، بالنظر إليه، قررتُ أن وقتي قد حان".

فى عام 2024 فقد "الاسبانى" أحد أصدقائه فى الحرب، ثم فقد صديقا آخرا بعد شهى فقط. ولا يخفى أن الألم كان شديدا الى درجة أنه لم يتمالك دموعة حينها.

ويقول محاورنا: "هناك قاعدة غير مكتوبة في الجيش مفادها أنه لا ينبغى أن تتعلق بالناس، لكن ذلك مستحيل".

لم يشارك "الإسباني" في المهام القتالية منذ ما يقرب من عام، بعد إصابته فى زابوريجيا جثه قد وقع جراء هجوم شنته طائرة مسيرة روسية. يتذكر المقاتل أنه فقد وعيه في ذلك الوقت، وأصيب بارتجاج شديد في المخ، وفقد إحساسه بالمكان والزمان. وشخّص الأطباء حالته على أنها اضطراب ما بعد الصدمة (PTSD) الشدة.

أثناء حديثنا معه، كان المقاتلون الأجانب يتدربون على مهارات الرماية. وهذا أمر مهم إذ يُكلّفون أيضا بتنفيذ عمليات الهجوم.

كيف أصبح نادل كولومبي مقاتلاً في وحدات الهجوم

المقاتل الكولومبى فى السابق الذي يحمل الاسم الحركي "مايوركا" انضم الى صفوف المدافعين عن الاراضى الأوكرانية في يونيو / حزيران 2025. يبلغ من العمر 22 عاما، وكان يعمل نادلاً في بلاده في حانة. ويقول أنه كان يحضّرالكوكتيلات وكان "الموهيتو" من مشروباته المفضلة.

يروي المقاتل: "قبل مجيئي إلى أوكرانيا، لم تكن لديّ أي خبرة عسكرية ولم أخدم في الجيش، لكنّني خضعت لعديد من من التدريبات والدورات، وكنت أعرف كيفية استخدام السلاح وإطلاق النار. لم أخبر عائلتى بشيء. قلت لهم فقط إننى أسافر الى بولندا، ثم وصلت سرًا الى أوكرانيا دون علمهم".

"مايوركا"

خدم قرابة ثمانية أشهر كمقاتل الهجوم، ثم خضع للتدريب، ومنذ أربعة أشهر وهو يقوم بقيادة الطائرات المسيّرة.

في نوفمبر / تشرين الثانى من العام الماضي، أصيب "مايوركا" بجروح خطيرة أثناء تنفيذ مهمة في ستيبنوهيرسك. وروى "مايوركا" أن مجموعته كانت بحاجة إلى الانتقال من ستيبنوهيرسك إلى موقع يُسمى "رومب" وهي منطقة تضم مبانٍ متعدّدة الطوابق وتتمتّع بموقع مرتفع، ولذلك أصبحت بؤرة اشتباكات عنيفة.

كان على مجموعة "مايوركا" أن تقطع مسافة تقارب 1.5 كيلومتر. وتمكنت من ذلك رغم هجمات الطائرات المسيّرة والقصف المدفعى. ويتذكّر المقاتل أنه كان يحمل معه آنذاك بندقية هجومية تشيكية من طرازCZ BREN 2 وعدة قنابل يدوية. وبعد دخوله إلى نقطة المراقبة، سمع صوت طائرة مسيّرة من نوع FPV التى تقتحم المبنى وتنفجر على بعد بضعة أمتار منه.

- تفقدتُ نفسي لأتأكد من أنّني لستُ مصابًا. كان كل شيء على ما يرام. فقلتُ في نفسي: لقد حالفني الحظ. فتوجّهتُ إلى موقعي. فجأة، هرع إليّ جنديان أوكرانيان وأخبراني أن اثنين من الأوغاد يركضان في اتجاهنا، لذا يجب فتح النار عليهما“، - روى الكولومبي.

في تلك اللحظة ألقى الجنود الروس باتجاههم لغما مضادا للدبابات، فانفجر وأصيب "مايوركا". وفقد وعيه ثم أفاق وهو يتلقى الإسعافات الاولوية.

يتابع القول: "أوّل ما فعلتُه هو أن تفقدتُ أطرافى لاتأكّد من أنها ما تزال سليمة. ثم أدركتُ أنّنى لا أسمع شيئا بأذنى اليمنى، وأنّنى لا أستطيع فتح عيني اليسرى. خفتُ كثيرًا، لكنهم قالوا لي إنّ هذا شيء طبيعي مع إصابة من هذا النوع. أكثر ما كنتُ أخشاه هو فقدان أحد أطرافي. بالنسبة إلىّ، أن أفقد السمع أهون من أن أفقد ذراعاً أو ساقاً".

وتسبّبت موجة الانفجار بحروق طالت نحو40 فى المئة من جسد "مايوركا"، شملت ظهره وذرعه وساقه. تعرّضت ذراعه لإصابات بالغة من شظايا الانفجار، ممّا استلزم خياطة الجرح. خلع "مايوركا" قفازه التكتيكي وأظهر الندبة.

بحسب "الإسباني" بقي المقاتل في الموقع تسعة أيام بعد إصابته، إذ حال القصف المتواصل دون إجلائه.

يوضح "الإسباني": "تمكّن العدو من تعطيل خطوط الإمداد والإخلاء إلى حد كبير. وكان إلى جانبنا مسعف قتالي يقدّم له الرعاية اللازمة، فيما كنا نتلقى ما يحتاج "مايوركا" إليه من أدوية ومستلزمات طبية عبر طائرات مسيّرة تُسقطها لنا في الموقع".

خلال تلك الفترة، أمضى "الاسبانى" نحو أسبوعين فعليا فى مركز القيادة، حيث كانت تُنسّق عمليات تقديم المساعدة للمقاتل وإجلائه.

ويروى "مايوركا" أنه لم يكن يعرف حينها إن كان سيتم إجلاؤه أم لا. حتى إنه فكّر فى أن الموت أهون من الاستمرار فى هذه المعاناة. وكان أكثر ما يخيفه أنه لا يعرف ما الذى ينتظر.

ويتذكر المقاتل الكولومبى: "في اليوم الخامس، بدأتُ أفقد الأمل شيئا فشيسا. كانت الطائرات المسيّرة كثىرة، والقصف المدفعي مستمرا، وكنتُ أسمع انفجارات طوال الوقت".

بحسب روايته، فعل أربعة من رفاقه المستحيل، إذ حملوه على نقالة وساروا به حتى أخرجوه من الموقع.

وقطعوا به كيلومترا ونصف في العراء، من أكثر النقاط اشتعالا على هذا المحور، - يضيف "الإسباني".

أمضى المقاتل ثلاثة أشهر ونصف في المستشفى، ثم عاد إلى وحدته. ويقول إنه كان بحاجة إلى جرعة من الأدرينالين، كما أنه لم يستطع البقاء من دون عمل.

يؤكّد المقاتل: " لقد جئت لأقاتل، وسأواصل القتال. كنّا نتجه إلى هنا ونحن ندرك أنّنا قد نلقى حتفنا".

"بعد انتهاء الحرب، هل ستعود إلى بلدك لتحضير "الموهيتو" من جديد؟" – أسأله.

ضحك وقال إنّه بالتأكيد لن يفعل ذلك: سأذهب لمساعدة دول أخرى تشهد حروبًا. ربما تكون في إفريقيا أو حتى كولومبيا. "أدركتُ أن الشؤون العسكرية هي مجال تخصصي"، - أضاف "مايوركا".

لم يبقَ من ستيبنوهيرسك سوى الاسم

كان "فينيكس"، وهو مقاتل كولومبى آخر، أحد الذين نقلوا "مايوركا" من ستيبنوهيرسك. وهو خلاف رقيقه، جاء الى أوكرانيا بخبرة عسكرية طويلة، بعدما خدم 15 عاما في الجيش الكولومبي، في وحدات الاستخبرات والمشاة.

كان "فينيكس" يؤدّي مهمة في منطقة كورسك؛ حيث لقيت مجموعته بأكملها تقريبًا حتفها. ولم ينجُ سواه. ويؤكّد خلال المحادثة أنه لا يخشى الموت بل إنه يدرك تماما أنه قد يُقتل في أي لحظة.

"فينيكس"

- يقول العسكريون إن غياب الخوف من الموت ليس أمرًا جيدًا لأن المقاتل الذى لا يخشى الموت قد يعرض رفاقه للخطر. أليس كذلك، - وجهتُ السؤال الى كل من "إسبانى" و"فينيكس".

وافق "الاسبانى" على ذلك موضحا أن الجميع سيشعرون بالخوف فى الواقع مهما قالوا عقس ذلك.

وأضاف: "الخوف يبقى فى داخلك. كنتُ أقول بنفسي إنّني لستُ خائفًا، لكن الخوف كان يلازمني. تذهب في مهمة وتدرك أن هذا قد يكون يومك الأخير".

طلبت من "فينيكس" أن يروي قصة إجلاء "مايوركا". يوضح إنه بمجرد أن علموا بإصابته، قرّروا على الفور إجلاءه. رغم أن تنفيذ ذلك كان شبه مستحيل.

"مايوركا" بالنسبة لي مثل الأخ. من الصعب جدًّا في الواقع أن تدرك أن رفاقا قد أصيب أو استشهد. عندما ندخل إلى المواقع، نقول دائمًا: "دخلنا معًا وسنخرج معًا"، – يقول المقاتل.

يبلغ «فينيكس» 42 عامًا. وهو يرى مستقبله في الحياة العسكرية. ويقول إنّ الفرق الرئيسي بين الحرب الحالية وتلك التي شارك فيها سابقًا هو الطائرات المسيّرة. لم يكن من الصعب عليه إتقان استخدامها، ويشير الى ان لها مهمتين أساسيتين: الأولى هى نقل الحمولات الثقيلة والثانية هى إيصال "هدايا" الى مواقع العدو وفق إحداثيات محدّدة.

كنّا نرسل الماء والطعام إلى الجنود الذين كانوا متمركزين فى مواقعهم لمدة طويلة وكانوا محتاجين اليها". الجنود يشكروننا، حتى أنّهم يبحثون عن مشغلي الطائرات المسيّرة الذين ساعدوهم ليشكرواهم شخصيًا"، - يقول "فينيكس".

توفي والداه منذ سنوات، ولم يكن لديه عائلة في كولومبيا. في الواقع، جاء "فينيكس" إلى أوكرانيا لتكوين أسرة، وليس من أجل المال، كما يُقال في شبكات التواصل الاجتماعي عن المقاتلين الأجانب. ولا يعتقد أن الحرب ستنتهي قريبا. فبرأيه، تزداد قسوة الحرب يومًا بعد يوم، وقد تستمر لمدة 2-3 سنوات أخرى. ويصف الكولومبي الجنود الأوكرانيين بأنهم محاربون لا يستسلمون أبدًا ويواصلون القتال حتى النهاية.

ويمزح "فينيكس": "لقد منحتني الحرب الدافع لمواصلة شق طريقي في الحياة، كما... تسبّبت لي بفتق في الظهر".

أخبرتُ أنّني طلبتُ من "مايوركا" أن يصف لي كيف يبدو ستيبنوهيرسك حالياً، لكنّه لم يستطع ذلك. أقترح على "فينيكس" أن يحاول القيام بهذا الصف.

"الشيء الوحيد المتبقي من ستيبنوهيرسك هو اسمها فقط"، - أجاب "فينيكس".

شكرتُ "فينيكس" على التحدّث باللغة الإنجليزية، فسمعتُ في الردّ: "دياكويو" (أو "شكرا" باللغة الأوكرانية).

ساعى صاخب، لكنّه موثوق

بعد إنتهاء من التدريبات الرماية، كان على المقاتلين اختبار الطائرة المسيّرة "نيميزيس". وهي قاذفة قنابل هجومية ثقيلة متعدّدة المهام من صنع أوكراني. تُستخدم هذه الطائرة المسيّرة في تنفيذ مهام لوجستية، من بينها إيصال الإمدادات إلى وحدات المشاة، فضلاً عن تنفيذ عمليات القصف الجوي. وتستطيع الطائرة المسيّرة حمل حمولة تبلغ حوالي 10 كجم.

ويوضح المقاتل الذي يحمل الاسم الحركى "زيرو"، والذي يشغل حاليًا منصب ملاح الطائرة المسيّرة: "نقلنا مؤخرًا الى المقاتلىن طردًا يبدو عادياً للوهلة: فيها طعام، وماء، و... مجرفة. غالبًا ما نوصل اليهم طائرات مسيّرة "مافيكا" وبطاريات وغيرها من المعدات. العدو يخشى "نيميزيس" لأنها قادرة على حمل شحنة كبيرة من المتفجرات".

يشرح العسكرى أن "نيميزيس" كانت قد خضعت للإصلاح، ولذلك كان لا بد من اختبارها قبل إعادتها الى تنفيذ المهام القتالية.

"نيميزيس" هي طائرة صاخبة وكبيرة إلى حد ما، وتعمل في الغالب ليلاً، ولكن في حالة الضرورة القصوى تُستخدم نهارًا أيضًا.

"الطائرات المسيّرة مريحة وآمنة، لأنها لا تتطلّب تعريض الأفراد للخطر من أجل إيصال الإمدادات أو الذخيرة أو تنفيذ عمليات القصف. ونستخدمها في الغالب لتدمير مخابئ العدو ووحداته البشرية"، - يقول "زيرو".

يصف "زيرو" و"الإسباني" رفاقهم الأجانب بالشجعان، مؤكّدين إنّهم يمرون بجحيم حقيقي، ومستعدون للتضحية بحياتهم.

- علينا أن نشكر هؤلاء الأشخاص الذين جاؤوا للدفاع عن أوكرانيا. بعضهم جاء بدافع المال، وبعضهم الآخر لاكتساب خبرة عسكرية، لكن من المؤكّد أن بينهم من جاؤوا إلى هنا لأنّهم لا يستطيعون أن يقفوا مكتوفي الأيدي وهم يشاهدون الروس يقتلون المدنيين في أوكرانيا"، - أضاف "الإسبانى".

أولها زفوناريوفا

التصوير: دميترو مسولينكو

عند الاقتباس من أي مواد أو استخدامها على الإنترنت، يجب وضع رابط تشعّبي مفتوح لمحركات البحث لا يقل عن الفقرة الأولى إلى موقع «ukrinform.ua»، وذلك إلزامي. كما أن اقتباس ترجمات مواد وسائل الإعلام الأجنبية لا يُسمح به إلا بشرط وجود رابط تشعّبي إلى موقع ukrinform.ua وإلى موقع وسيلة الإعلام الأجنبية. إن اقتباس واستخدام المواد في وسائل الإعلام غير المتصلة بالإنترنت، والتطبيقات المحمولة، وأجهزة Smart TV ممكن فقط بعد الحصول على موافقة خطية من «ukrinform.ua». أما المواد التي تحمل علامة «إعلان» أو التي تتضمن إخلاء المسؤولية التالي: «تم نشر هذه المادة وفقًا للفقرة 3 من المادة 9 من قانون أوكرانيا "حول الإعلان" رقم 270/96-ВР بتاريخ 03.07.1996 وقانون أوكرانيا "حول الإعلام" رقم 2849-IX بتاريخ 31.03.2023 وبناءً على عقد/فاتورة.»

كيان إعلامي عبر الإنترنت؛ معرّف اعلامي - R40-01421

© 2015-2026جميع الحقوق محفوظة لوكالة الأنباء الأوكرانية الوطنية "أوكرإنفورم"

بحث متقدمإخفاء البحث المتقدم
خلال الفترة:
-