كيف يمكن لأوكرانيا أن تتقرب أكثر من العالم العربي
تُجبرنا الاضطرابات الجيوسياسية والتغيّرات السريعة في منظومة العلاقات الدولية على إعادة تقييم دور الشراكات والتحالفات الإقليمية. وفي هذا السياق، يُعدّ "إعادة اكتشاف" العلاقات بين أوكرانيا ودول الشرق الأوسط مؤشراً هاماً، لا سيما في ظل تفاقم الوضع الأمني في المنطقة.
في الوقت نفسه، ليس هذا التفاعل جديداً: ففي السنوات الأخيرة، أقامت أوكرانيا آليات تعاون فعّالة، ليس فقط على الصعيد الاقتصادي، بل أيضاً على الصعيدين الإنساني والدبلوماسي، مع عدد من دول الشرق الأوسط.
لنتذكّر، على سبيل المثال، أن المملكة العربية السعودية أصبحت منصةً للمشاورات حول صيغة السلام الأوكرانية، وللمفاوضات بين الوفدين الأوكراني والأمريكي حول سبل إنهاء الحرب وتقديم المزيد من الدعم لأوكرانيا. كما لعبت الإمارات العربية المتحدة دوراً هاماً في الوساطة خلال عمليات تبادل الأسرى بين روسيا وأوكرانيا، وساعدت قطر في إعادة الأطفال الأوكرانيين الذين تم ترحيلهم بشكل غير قانوني من روسيا.
أتاح إطلاق النسخة العربية من موقع أوكرإنفورم الإلكتروني فرصةً لإلقاء نظرة أوسع على ماضي وحاضر ومستقبل علاقات أوكرانيا مع العالم العربي. وكان هذا موضوع حلقة النقاش بعنوان "أوكرانيا - الشرق الأوسط: بنية جديدة للشراكة".
جمعت وكالة أوكرإنفورم دبلوماسيين وباحثين ومحلّلين وخبراء في الشؤون العربية وأمن المعلومات من أوكرانيا وخارجها، لمناقشة مكانة أوكرانيا في الشرق الأوسط وآفاق التعاون مع العالم العربي بصراحة. وننشر اليوم آراء وأفكار وتوقّعات المشاركين في هذه المناقشة التي استمرت لأكثر من ساعتين، كنقطة انطلاق لمرحلة جديدة من عمل الوكالة في الفضاء الإعلامي الناطق بالعربية، والذي يغطي أكثر من 400 مليون نسمة.
كما يقولون على وسائل التواصل الاجتماعي، "سنترك الأمر هنا" ليس فقط لتسجيل النوايا، ولكن أيضًا للتأكّد بمرور الوقت من تحقيق الفرص وإنجاز النتائج.

الأصدقاء والشركاء ليسوا فقط من يعتنقون ديننا، بل أيضاً من يشاركوننا القيم الأساسية
لطالما نوقشت الحاجة إلى تعديل النهج التقليدي الأوروبي والأمريكي في السياسة الخارجية الأوكرانية. إلاّ أن الحرب الروسية ضد أوكرانيا وتفاقم الوضع في الشرق الأوسط قد سرّعا بشكل ملحوظ من إدراك ضرورة النظر إلى العالم بنظرة أشمل.

كما أشار نائب وزير الخارجية الأوكراني، أوليكساندر ميشينكو، كان يُنظر إلى العالم العربي في أوكرانيا سابقًا على أنه كيان بعيد عن "أوروبا المسيحية"، التي كنا نعتبر أنفسنا جزءًا منها. إلاّ أن الحرب في الشرق الأوسط أظهرت مدى ترابط العالم الحديث. وفي هذا السياق، ذكّر بأن روسيا استخدمت طائرات إيرانية مسيّرة ضد أوكرانيا، مما غيّر مفهوم الحرب الحديثة جذريًا. واليوم، تحظى التقنيات الأوكرانية المسيّرة باهتمام عالمي واسع، ولا سيما في دول الخليج.
أكّد الدبلوماسي أيضاً أن النظرة السائدة للعالم الإسلامي باعتباره "غريباً" أو معادياً هي أقرب إلى كونها صورة نمطية تاريخية منها إلى انعكاس للواقع.
وأشار قائلاً: "لهذا السبب نقول اليوم إن أصدقاءنا وشركاءنا المقربين ليسوا فقط من يعتنقون ديننا، بل أيضاً من يشاركوننا المبادئ الأساسية: وحدة الأراضي، وسيادة الدولة، واحترام حرية اختيار الشعب".
وفقاً لنائب وزير الخارجية، فإنّ أوكرانيا تبني حالياً تحالفاً من أصحاب الرؤى المتشابهة على هذا الأساس.

في رأي مدير مركز دراسات الشرق الأدنى، إيهور سيميفولوس، تفتقر أوكرانيا إلى وجود مستقر في الشرق الأوسط. ويرى أن السياسة الأوكرانية الحالية في المنطقة "تعاني من خلل جوهري": فهناك رؤية، وبعض النجاحات التكتيكية، لكن ثمة نقص في الموارد النظامية والوجود المؤسسي المستقر.
وأشار الخبير إلى أن "وجودنا ظرفي، لكنّه غائب مؤسسياً. نحن حاضرون أثناء الأزمات، لكنّنا غائبون بينها".
أكد سيميفولوس أن وجود أوكرانيا في الشرق الأوسط ليس مجرد "طموح إقليمي من أجل الطموح فحسب، بل هو نابع من الحرب". لذلك، يجب على أوكرانيا أن توضح ذلك بوضوح، ويجب على شركائها أن يفهموا ذلك: فالنشاط في المنطقة مدفوع بعاملين رئيسيين – الحاجة إلى تدمير البنية التحتية الروسية التي تدعم الحرب، ومنع الكرملين من احتكار الرواية الإقليمية حولها.

توجد آفاق للتعاون الآمن مع الشرق الأوسط، لكنّنا بحاجة إلى التحرك بشكل عاجل
أشار سفير أوكرانيا لدى المملكة العربية السعودية، أناتولي بيترينكو، إلى أن التعاون بين أوكرانيا والمملكة العربية السعودية يُظهر ديناميكية إيجابية، وأن النتائج التي تم تحقيقها تخلق آفاقاً كبيرة لتطوير الشراكة الثنائية في مختلف المجالات.
قال الدبلوماسي: "بالحديث عن المملكة العربية السعودية، أعتقد أنه من الإنصاف القول إنّنا نسير بخطى ثابتة نحو تحقيق الإطار المنشود للتعاون السياسي والاقتصادي والأمني، حتى مع وجود الخطوط العريضة لشراكة استراتيجية".
أكد السفير الأوكراني أيضًا أن المملكة العربية السعودية استخلصت بعض الدروس بعد اندلاع النزاع في الشرق الأوسط في 28 فبراير، وأنها تستثمر حاليًا بنشاط في أمنها. ووفقًا له، فإن أحد العناصر الجديدة للتعاون العملي بين أوكرانيا والمملكة العربية السعودية هو الجانب الدفاعي والتقني، الذي يتيح تطبيق المعارف والخبرات والتقنيات الأوكرانية لدعم الدفاع الجوي للمملكة على أساس المنفعة المتبادلة.
قال الدبلوماسي: "هذه فرصة بالغة الأهمية"
كما تحدث سفير أوكرانيا لدى الإمارات العربية المتحدة، أوليكساندر بالانوتسا، عن آفاق التعاون الأوكراني مع دول الشرق الأوسط في المجالين التكنولوجي والأمني.
أشار إلى أنه في بداية النزاع المسلح في المنطقة، لم يكن هناك فهم واضح لكيفية الرد على هجمات الطائرات الإيرانية المسيّرة، وكان يُستخدم أحيانًا صاروخان أو ثلاثة من طراز "باتريوت" لإسقاط طائرة مسيّرة واحدة.
كما ذكر الدبلوماسي أرقامًا صادمة بالنسبة للأوكرانيين: فبحسب التقديرات العامة، استُخدم أكثر من 800 صاروخ "باتريوت" اعتراضي خلال التصعيد الأخير في الشرق الأوسط، وهو عدد يفوق ما تلقته أوكرانيا خلال أربع سنوات من العدوان الروسي الشامل.
بحسب بالانوتسا، فإنّ الإمارات العربية المتحدة تتخذ حالياً "قرارات عملية للغاية"، ويمكن لأوكرانيا أن تقدّم بنية أمنية جديدة في المنطقة، ولكن يجب القيام بذلك بسرعة.
صرّح السفير قائلاً: "يقولون (الإمارات العربية المتحدة) إننا نحتاجها اليوم. إذا لم نقدّمها لهم اليوم، فسيقدّمها لهم غيّرنا الليلة. في غمرة فرحتنا، علينا أن نعي أهمية التوقيت العملي وأن نقدّم النتيجة التي نستطيع تحقيقها".
أضاف السفير أن أوكرانيا أثبتت أنّها شريك عملي وجدير بالثقة، ولكن بالنظر إلى مستوى التهديدات التي تشكّلها الطائرات الإيرانية المسيّرة في المنطقة، يجب عليها التحرك بسرعة أكبر، لأنه "لا يمكنها تقديم نتيجة غداً أو بعد غد، بل يجب أن تقدّمها بالأمس".
كما أشار سفير أوكرانيا لدى مصر، ميكولا ناغورني، فإن الأمن في منطقة الشرق الأوسط له بُعد غذائي. ووفقًا له، فإنّ قضية الغذاء هنا لا تقتصر على الغذاء فحسب، بل تتعلق أيضًا بالاستقرار السياسي والاجتماعي، لأن أزمات الغذاء لطالما كانت شرارةً للثورات في الشرق الأوسط.
أكد الدبلوماسي قائلًا: "لذلك، عندما نتحدّث إلى هذه الفئة، لا بد لنا من التطرق ليس فقط إلى صادرات الحبوب والتجارة، بل أيضًا إلى حقيقة أن أوكرانيا تُعدّ مصدرًا للأمن والاستقرار لمنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا".
في نفس الوقت، لفت الانتباه إلى واقعة شراء روسيا للحبوب الأوكرانية المسروقة.
وفقًا لسفارة أوكرانيا سُجّل في عام 2025 أكثر من 50 حالة شحن حبوب مُصدَّرة من الأراضي الأوكرانية المحتلة مؤقتًا إلى مصر، وفي عام 2026 سُجّلت 14 حالة، منها 11 حالة حدثت بعد محادثة الرئيسين في 3 أبريل/نيسان. حينها، أكد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي للرئيس فولوديمير زيلينسكي أن بلاده لن تقبل شحنات الحبوب الأوكرانية المسروقة. إلاّ أن المصريين لم يُعيدوا في الواقع سوى سفينة روسية واحدة مُحمَّلة بمنتجات زراعية من أوكرانيا.
أضاف ناغورني أن أوكرانيا لا تردّ فقط من خلال الآليات السياسية والدبلوماسية، ولكن أيضاً من خلال الآليات القانونية: فقد أحالت السفارة بالفعل إلى الجانب المصري أربعة طعون من مكتب المدعي العام في إطار الإجراءات الجنائية المتعلقة بالتصدير غير القانوني للحبوب إلى مصر.

لإيصال صوت أوكرانيا إلى العالم العربي، نحتاج إلى الإبداع
في معرض حديثهم عن تحديات المعلومات في سياق الشرق الأوسط، أشار المشاركون في المائدة المستديرة مراراً وتكراراً إلى الموارد الهائلة التي تستثمرها روسيا في الترويج لرواياتها.

مع ذلك، ووفقًا لمدير المعهد الوطني للدراسات الاستراتيجية، أوليكساندر بوغومولوف، فإنّه على الرغم من أن مبلغ ملياري دولار من الاستثمارات الروسية في الحرب المعلوماتية يُعدّ رقمًا مثيرًا للإعجاب، إلاّ أن هذا لا يعني أن أوكرانيا "بإمكانها الاستسلام ببساطة".
ويرى بوغومولوف أنّه من الضروري تحليل تحركات العدو في الحرب المعرفية بطريقة "أكثر تخصصًا"، سواء في الشرق الأوسط أو في مناطق أخرى.
"يستخدم الروس عدة أساليب. في بعض الحالات، نحتاج إلى البحث عن ردود فعل غير متكافئة، ولكن في حالات أخرى، نحن قادرون أيضاً على ردود فعل متكافئة. بعض الأساليب التي يختبرها الروس منذ فترة فعّالة. فلماذا لا نستخدمها؟"، هذا ما أشار إليه العالم.
في هذا السياق، حدّد بوغومولوف خمس أدوات رئيسية للدعاية الروسية في العالم العربي. تشمل هذه الأدوات: بناء بيئات صحفية موالية من خلال البرامج التعليمية، والتعاون مع الجامعات والمؤسسات التعليمية الأخرى، وعقد شراكات مع وسائل الإعلام المحلية لنشر المحتوى الروسي، وإنشاء بنية تحتية إعلامية خاصة بنا باللغة العربية، والاستخدام النشط لشبكات التواصل الاجتماعي والمدونين والحسابات الآلية.

أشار إيفان سيهيدا، السكرتير الأول لإدارة شؤون الشرق الأوسط وشمال إفريقيا بوزارة الخارجية، إلى تحدٍ آخر يواجه أوكرانيا في التصدي للتضليل الروسي في المنطقة.
أوضح الدبلوماسي، مستندًا إلى خبرته في العمل بالدول العربية، أن وسائل الإعلام المحلية غالبًا ما تتجنب تغطية قضايا السياسة الخارجية المتنازع عليها والحروب، ولا سيما الحرب الروسية الأوكرانية. ونتيجةً لذلك، يصعب على أوكرانيا إيصال موقفها عبر وسائل الإعلام الرسمية. وفقًا لسيهيدا، يُطلب من الدبلوماسيين العاملين مع وسائل الإعلام في كثير من الأحيان صراحةً عدم ذكر روسيا، ما يضطرهم إلى البحث عن أساليب مبتكرة وتكييف الرسائل الأوكرانية مع التجربة التاريخية لكل دولة على حدة.
"بالنسبة للكويت، حيث كنت أعمل، يُمثّل هذا بالطبع التحرّر من العراق، حين وقف العالم إلى جانب الكويت ضد حرب العدوان. والآن نحشد شركاءنا أيضاً، لأن هذا بالنسبة لنا نضال من أجل الاستقلال والحرية. أما بالنسبة للجزائر، فالأمر قريب أيضاً، لأنها خاضت حربها الخاصة من أجل الاستقلال. بالنسبة لأي بلد، يمكنك إيجاد السبيل الأمثل للوصول إلى قلبه حتى يفهم موقفنا من خلال تاريخه"، - أشار سيهيدا.

تم إطلاق وكالة أنباء أوكرإنفورم للبث الموجّه إلى العالم العربي لفت انتباه الروبوتات الروسية فوراً
بحسب توقّعات نائب وزير الخارجية أوليكساندر ميشينكو، سيواصل العدو استخدام التضليل الإعلامي كأداة لتحقيق أهدافه، ومنها إثارة الخلافات مع أوكرانيا في العالم بهدف تقليص الدعم في الحرب ضد المعتدي.
وأضاف: "نرى ذلك جلياً في مثال أصدقائنا وشركائنا البولنديين، جيراننا. ولنتخيّل الدول التي يقلّ فيها حضور أوكرانيا، لا سيما في العالم العربي. هذا يعني أنّنا بحاجة إلى بذل المزيد من الجهد وعدم منح العدو فرصة استبدال صوت الحقيقة بالأكاذيب".
كما أكّدت تجربة أوكرإنفورم حقيقة أن "العدو لا ينام" أثناء إطلاق النسخة العربية من الموقع، والتي أصبحت النسخة الثامنة باللغة إلى جانب الأوكرانية والإنجليزية والألمانية والإسبانية والفرنسية واليابانية والبولندية. في عام 2025، جمعت الإصدارات الأجنبية لموقع أوكرإنفورم ما يقرب من 65 مليون مشاهدة، ويمكن للنسخة العربية تحسين هذه الأرقام.

صرّح فيتالي فيديانين، رئيس تحرير المكتب الرئيسي للإعلام والإذاعة الخارجية لوكالة أوكرإنفورم، بأنّ إطلاق الوكالة لبثّ تجريبي للعالم العربي في 14 أبريل/نيسان قد لفت انتباه حسابات آلية روسية على الفور. وأوضح أن نشر خبر زيارة أكثر من 70 دبلوماسياً أجنبياً إلى موقع الضربة الروسية على حي لوكيانيفكا على النسخة العربية من الموقع، تسبّب في هجوم إلكتروني. كما وقع هجوم آخر عقب الإعلان عن نجاح استهداف نفّذتها القوات المسلحة الأوكرانية للأنظمة المسيّرة على قاعدة "تاغانروغ-يوجني" الجوية، أسفرت عن تدمير طائرتين من طراز Tu-142.
قال فيديانين إنّه أثناء عمله على إطلاق النسخة العربية من الموقع، تواصل كثيرًا مع زملائه العاملين في مجال الإعلام العربي، وكثيرًا ما سمع منهم كلمة "قلب".
وأضاف: "كما يقول المثل العربي: "الكلام في القلب، كالنقش في الحجر". وهذا يُبرز أهمية الدبلوماسية الإعلامية، فهي لا تقتصر على نقل الحقائق والأرقام فحسب، بل تتعداها إلى بناء الثقة، وإسماع الصوت وفهمه، وينبغي أن يصبح موقع أوكرإنفورم صوتًا موثوقًا به".

في ختام اجتماع المائدة المستديرة، دعا المدير العام لوكالة أنباء أوكرإنفورم، سيرهي تشيريفاتي، الدبلوماسيين والعلماء والمحلّلين إلى مواصلة العمل وتطوير التعاون مع الوكالة عبر الصيغ المجربة والناجحة - كالموائد المستديرة والمؤتمرات الصحفية والمقالات – بالإضافة إلى البحث عن صيغ جديدة وإشراك الزملاء العرب فيها.
اختتم تشيريفاتي قائلاً: "آمل أن ننجح، لأنّه لا خيار أمامنا سوى الصمود والنضال والتوحد والانتصار".
ناديا يورتشينكو، كييف
تصوير يوليا أوفسيانيكوفا