هدايا من "تحالف الراغبين" بمناسبة الذكرى الخامسة والثلاثين لاستعادة الاستقلال
تتحوّل أوكرانيا من دولة تعتمد على الإمدادات الخارجية في خوض الحرب إلى مركز أوروبي للصناعات الدفاعية
في 24 أغسطس، عُقد الاجتماع التأسيسي الأول لتحالف الراغبين (Coalition of the Willing) حضورياً في كييف. وشهد التنسيق الهجين للاجتماع، الذي جمع في الرابع والعشرين من أغسطس/آب ممثلين عن ثلاثين دولة من 37 عضواً في التحالف (سواء كانوا حاضرين فعلياً في العاصمة أو عبر رابط فيديو)، تحولاً مهماً: حيث ينتقل الغرب من استراتيجية "الإنعاش الطارئ" إلى إضفاء الطابع المؤسسي المنهجي على القدرات الدفاعية الأوكرانية. أما روسيا، التي خططت لتجريد أوكرانيا من السلاح بسرعة، فقد حققت العكس تماماً في العام الخامس والثلاثين لاستقلالها: فقد نقلت شركات الدفاع الأوروبية العملاقة رسمياً إلى كييف تقنيات سرية لإنتاج الصواريخ بعيدة المدى محلياً.
الجبهة السياسية الدبلوماسية: شكوك حول موسكو وملامح مستقبل الأمن
كان الرئيسان المشاركان لاجتماع "تحالف الراغبين" هما رئيس أوكرانيا فولوديمير زيلينسكي، ورئيس الوزراء الجديد للمملكة المتحدة آندي بورنهم (الذي وصل إلى كييف شخصياً)، بالإضافة إلى الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون والمستشار الألماني فريدريش ميرز، اللذان انضما عن بعد.
يُتيح لنا تحليل التصريحات السياسية التي صدرت أثناء القمة وبعدها تحديد ثلاثة مسارات رئيسية.
المسار الأول هو التناقض بين المفاوضات والوضع على خط التماس
تضمن البيان المشترك لرؤساء التحالف الدعوة التقليدية لروسيا إلى "وقف إطلاق نار كامل وفوري وغير مشروط على طول خط التماس الحالي". وفي الوقت نفسه، قيّم الشركاء الدوليون استعداد القيادة الأوكرانية لحوار جاد. إلا أن وراء الخطاب الدبلوماسي نهجًا براغماتيًا صارمًا. ففي المؤتمر الصحفي الختامي، أوضح آندي بورنهم موقف الغرب بوضوح تام: لن تتنازل أوكرانيا تحت أي ظرف من الظروف عن أراضٍ لم تتمكن روسيا من الاستيلاء عليها بالقوة، وأي مفاوضات محتملة يجب أن تبدأ حصريًا من خط المواجهة الحالي.
من جانبه، أكّد فولوديمير زيلينسكي علنًا على ضرورة وجود أوروبا على طاولة محادثات السلام المستقبلية لمنع إبرام اتفاقيات سرية خلف ظهر كييف. ومع ذلك، أقرّ الرئيس الأوكراني صراحةً بوجود شكوك عميقة لدى الحاضرين في اجتماع القادة حول استعداد الكرملين الحقيقي لمفاوضات بناءة.
المسار الثاني هو إضفاء الطابع المؤسّسي على الضمانات الأمنية
سجّلت الوثائق الختامية للقمة إحراز تقدم في إعداد مفهوم القوة المتعددة الجنسيات في أوكرانيا، والذي يتعلق بنشر قوة عسكرية من الحلفاء بعد التوصل إلى وقف إطلاق نار مستقر. وكخطوة مؤقتة، أعلن إيمانويل ماكرون عن إجراء أولى المناورات العسكرية المشتركة لدول التحالف على الأراضي الأوكرانية أو في محيط حدودها المباشر خلال شهري أكتوبر ونوفمبر 2026 (والتي ستسبقها عملية نقل 1500 جندي بريطاني وفرنسي إلى بولندا في سبتمبر). وتُعدّ هذه إشارة واضحة لموسكو: فالغرب يسعى لبناء منظومة ردع حتى قبل انتهاء المرحلة الساخنة من الحرب رسمياً.
المسار الثالث هو خنق العقوبات والضغط على "الأسطول الخفي"
أكّد الرئيس الفرنسي أن الضربات المنهجية التي شنّتها قوات الدفاع الأوكرانية على مصافي النفط الروسية، إلى جانب القيود الغربية، كان لها بالفعل تأثير تراكمي ملموس: فالدولة، التي وضعت نفسها كمركز الطاقة الرئيسي في أوراسيا، مضطرّة إلى استيراد أنواع معينة من الوقود.
لسدّ الثغرات التي استغلتها موسكو، اقترحت فرنسا عقد اجتماع متخصّص لوزراء الدفاع والخارجية في الدول الشريكة خلال أسابيع قليلة. والهدف الرئيسي هو وضع آليات عملية لعرقلة "أسطول ناقلات النفط الروسية غير الرسمي" في بحر البلطيق والبحر الأبيض المتوسط، ما من شأنه أن يقلّل من إيرادات الكرملين، التي انخفضت، وفقًا للتحالف، بمقدار 495 مليار دولار منذ بدء الغزو الشامل.
من الاستيراد المباشر إلى الإنتاج المحلي
تكمن أهم النتائج العملية لاجتماع 24 أغسطس/آب في مجال التعاون الصناعي الدفاعي. لطالما سعت كييف الرسمية إلى كسر النمط السائد الذي يقتصر فيه دور أوكرانيا على طلب الأسلحة الجاهزة، التي تصل إلى الجبهة متأخرة وبكميات محدودة. وقد أظهرت قمة "تحالف الراغبين" أن الشركاء بدأوا ينظرون إلى الأراضي الأوكرانية كموقع إنتاج واعد.
وبذلك، كان أبرز مفاجآت اليوم إعلان آندي بيرنهم عن السماح لشركة الصناعات الدفاعية MBDA برفع السرية عن الوثائق التقنية والمواصفات الخاصة بالمكوّنات البريطانية لصواريخ "ستورم شادو/سكالب" الجوالة المطلقة من الجو، وتسليمها إلى أوكرانيا. وكانت أوكرانيا قد حصلت أيضًا على إذن مماثل من فرنسا، بحسب هيئة التحرير.
يُظهر تحليل هذه الخطوة أن لندن وباريس تعملان بوعي على رفع السرية عن التقنيات وتوسيع نطاقها، مدركتين استنفاد مخزونهما. سيُمكّن نقل الملكية الفكرية والخرائط التكنولوجية أوكرانيا من إنشاء خطوط تجميع خاصة بها في منشآت تحت الأرض أو موزعة تابعة لصناعة الدفاع المحلية. هذا لا يُخفف فقط من المخاطر السياسية المرتبطة بالنقل المباشر للأسلحة الجاهزة، بل يُدمج أوكرانيا أيضًا في سلاسل إنتاج أسلحة الصواريخ الأوروبية. في نهاية المطاف، يُكمّل توطين صاروخ "ستورم شادو/سكالب" المشروع البريطاني الأوكراني الداخلي "بريك ستوب" (Breakstop)، الذي يهدف إلى تطوير ذخيرة فائقة الرخص وبعيدة المدى وعالية الدقة لتدمير البنية التحتية الخلفية للعدو على نطاق واسع.
بدوره، شدّد إيمانويل ماكرون على تسريع وتيرة عمل تحالف "فريا" المضاد للصواريخ الباليستية، الذي يضم أوكرانيا وعدداً من الدول الأوروبية (بما فيها ألمانيا وفرنسا وبريطانيا العظمى وغيرها) إلى جانب كبرى شركات تصنيع الأسلحة. يُذكر أن "فريا" مشروع لتطوير منظومة دفاع جوي وصاروخي جديدة، تقوم بتطويرها شركة "فاير بوينت" الأوكرانية (صاروخ x.FP-7) بالتعاون مع شركاء أوروبيين. ويهدف المشروع إلى خفض تكلفة الصاروخ الاعتراضي الواحد إلى أقل من مليون يورو، أي ما يعادل 4 إلى 6 أضعاف تكلفة ذخيرة "باك-3" الأمريكية المماثلة لمنظومة "باتريوت". علاوة على ذلك، تدرك أوروبا أن مخزون صواريخ "باتريوت" ليس غير محدود، وأن نقلها غالباً ما يصبح رهينة للسياسة الداخلية الأمريكية. لذا، فإن إنشاء منظومة دفاع صاروخي متعدّدة المستويات، محلية الصنع، وأقل تكلفة، يُعد مسألة بقاء ليس فقط لكييف، بل للقارة الأوروبية بأسرها.
المتجه الأوروبي الشمالي و"النموذج الدنماركي"
أظهرت دول الشمال والبلطيق (NB8)، التي عقد قادتها قمة منفصلة في كييف في 23 أغسطس، أعلى مستويات الديناميكية في التنفيذ العملي للمساعدة.
تبقى الأداة الرئيسية هنا هي ما يسمّى "النموذج الدنماركي" – التمويل المباشر من قبل الشركاء الأجانب لإنتاج الأسلحة في المصانع الأوكرانية لتلبية احتياجات القوات الدفاعية.
النرويج: أكّد رئيس الوزراء يوناس غار ستور التزاماً طويل الأمد بتخصيص 85 مليار كرونة نرويجية (9.2 مليار دولار أمريكي) لأوكرانيا حتى عام 2027، مع الإبقاء على مستوى التمويل عند مستوى عام 2026. كما وقّع الطرفان اتفاقية الدفاع "صفقة الطائرات المسيّرة" وإعلان "إليزابيث" الاستراتيجي، اللذين يركّزان على التصميم المشترك للأنظمة مسيّرة.
فنلندا: سجّل الرئيس ألكسندر ستوب توقيع ثلاث مذكرات تفاهم. تنصّ هذه المذكرات على نشر الإنتاج الفنلندي الأوكراني المشترك للطائرات المسيّرة الهجومية، وإنشاء أنظمة مسيّرة بحرية، بالإضافة إلى تأسيس مشروع مشترك لإنتاج منصات روبوتية أرضية. ومن المخطّط إنشاء خطوط إنتاج في كل من أوكرانيا وفنلندا لضمان سلامة الدورة التكنولوجية.
السويد: أكّدت وزيرة الخارجية ماريا مالمر ستينرغارد في كييف بدء المرحلة التحضيرية لدمج مقاتلات JAS 39 غريبن في القوات الجوية الأوكرانية. ووفقًا لجدول تنفيذ الاتفاقيات، يشمل ذلك توريد طائرات "غريبن" من طراز C/D بدءًا من عام 2027، وطائرات "غريبن" E الأحدث في الفترة ما بين 2029 و2030.
الدنمارك ولاتفيا: أكّدت كوبنهاغن استمرار التمويل دون انقطاع لإنتاج مدافع "بوهدانا" ذاتية الدفع الأوكرانية والطائرات المسيّرة الاعتراضية ، بينما ستستقبل ريغا مجموعة أخرى من الجنود الأوكرانيين الجرحى لإعادة تأهيلهم وتوسيع نطاق نقل معدات الحرب الإلكترونية.
حصن الطاقة، والرياضيات المحمولة جواً، وفجوة مالية قدرها 27 مليار دولار
على الرغم من التقارير المتفائلة بشأن الآفاق التكنولوجية، لا يزال الوضع العملياتي الذي ستدخل فيه أوكرانيا خريف عام 2026 بالغ الصعوبة. وفي اجتماع "تحالف الراغبين"، أعربت القيادة الأوكرانية عن احتياجات ملحة، بدونها ستفقد أي مشاريع طويلة الأجل جدواها بسبب تدمير البنية التحتية اللوجستية والانهيار المالي.
الدفاع الجوي: مطاردة الطائرات الاعتراضية
بحسب فولوديمير زيلينسكي، فإنّ المهمة العملياتية الرئيسية لفصل الشتاء هي شراء وتسليم ما لا يقل عن 300 صاروخ اعتراضي لأنظمة "باتريوت" (وخاصةً طرازات PAC-3 القادرة على إسقاط الصواريخ الباليستية). كل صاروخ من هذا النوع، في ظلّ استنزاف شبكة الطاقة الأوكرانية، يعني الحفاظ على المحولات ومحطات الطاقة الحرارية وأرواح السكان المدنيين.
تعمل كييف في اتجاهين متوازيين:
الشراء الفوري عبر آلية PURL والتفاوض مع الولايات المتحدة. أفاد آندي بورنهام أن القادة الأوروبيين يخططون، خلال اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك في سبتمبر/أيلول، لتقديم مذكرة مشتركة إلى الإدارة الأمريكية لإقناع واشنطن بتخصيص صواريخ "باتريوت" إضافية مباشرة من المستودعات الاستراتيجية الأمريكية. ويجري مناقشة المسار الألماني بشكل منفصل: فقد أعرب الجانب الأوكراني عن طلبه 600 صاروخ PAC-2، لكن برلين تحذر من التفاؤل المفرط، إذ لم يأخذ المستشار فريدريش ميرز ووزير الدفاع بوريس بيستوريوس هذا الأمر في الحسبان إلا مؤخرًا.
سبق ذكر مشروع فريا. يجب أن يكون التوقيت واقعياً: فهذا حلٌ لعامي 2027-2028، بينما تحتاج أوكرانيا إلى 300 صاروخ "باتريوت" بحلول أكتوبر 2026.
لكن ثمة أخبار سارة: فقد وصلت بالفعل كمية معينة من الذخيرة لمنظومة الدفاع الجوي "باتريوت" ("وصلت بضعة صواريخ"، كما أشار زيلينسكي). إضافة إلى ذلك، أكّد الشركاء تسليم منظومات الدفاع الجوي "كروتال" وصواريخ AIM الضرورية (للطائرات إف-16 وأنظمة NASAMS).
استدامة الطاقة. تحسباً لتجدّد الهجمات الممنهجة على البنية التحتية الأوكرانية، أعلن الشركاء عن حزم جديدة من المساعدات الإنسانية والتقنية. وأكّدت رئيسة الوزراء الإيطالية، جورجيا ميلوني، شحن دفعة أخرى من المولدات الصناعية عالية الطاقة ومعدات التوليد اللامركزي إلى أوكرانيا. إضافةً إلى ذلك، خصّصت ألمانيا 50 مليون يورو لترميم الملجأ في محطة تشيرنوبيل للطاقة النووية وحماية نقاط التوزيع الحيوية.
عجز كارثي في الميزانية قدره 27 مليار دولار
أعلن الرئيس زيلينسكي عن رقم بالغ الأهمية: يبلغ إجمالي العجز في تمويل القوات المسلحة لعام 2026 مبلغ 27 مليار دولار. ما سبب هذا النقص في التمويل؟ في محاولة لتغطية الاحتياجات العاجلة للجبهة في ظلّ تأخر الإمدادات الغربية في الربيع، أنفقت وزارة الدفاع الأوكرانية بالكامل الأموال المخصّصة للربع الأخير من عام 2026.
تُعدّ بنية هذا العجز بالغة الأهمية:
يُخصّص نحو 20 مليار دولار من هذا المبلغ للدعم النقدي والمدفوعات المقدّمة لأفراد الجيش الأوكراني.
يلزم توفير مبلغ إضافي يتراوح بين 8 و10 مليارات دولار بشكل عاجل لتأمين المعدات الأساسية والوقود والذخيرة اللازمة للربع الأول من عام 2027.
كان ردّ الشركاء على هذا التحدي معقدًا، ولكنه ملموس. فقد أعلنت رئيسة المفوضية الأوروبية، أورسولا فون دير لاين، عن حزمة قرض جديدة بقيمة 6.1 مليار يورو، ستُخصّص لشراء أنظمة دفاع جوي، وأحدث رادارات الكشف عن الأهداف ثلاثية الأبعاد، وذخائر مدفعية عيار 155 ملم من إنتاج أوروبي. وأكدت النرويج تخصيص حوالي 9.2 مليار دولار لعام 2027. ومع ذلك، فإن هذه الأموال، على الرغم من أهميتها البالغة، لا تسد العجز بالكامل.
وهكذا، تشكل خلل خطير: الحلفاء مستعدون لنقل رسومات صواريخ SCALP، وتخصيص مليارات لعام 2027، وإقراض الأموال لشراء الأسلحة الأوروبية، لكن العجز المالي الداخلي البالغ 27 مليار دولار، واللازم لرواتب وصيانة القوات المسلحة الأوكرانية، لا يزال بدون مصدر تغطية مباشر حتى نهاية أغسطس.
***
لم يكن لقاء "تحالف الراغبين" في 24 أغسطس 2026 مجرد لفتة رمزية بمناسبة عيد الاستقلال. لقد سجّلت تحولاً استراتيجياً: فقد انتقلت أوكرانيا من وضع دولة تقاتل على حساب الإمدادات الأجنبية إلى مركز دفاعي أوروبي.
إنّ اتفاقية المملكة المتحدة لنقل تقنيات إنتاج صواريخ كروز "سكالب/ستورم شادو" ودمج الصناعات الدفاعية الأوكرانية في الفضاء الأوروبي وفقًا للنموذج الدنماركي، يُعدّان استثمارًا في المستقبل، حيث ستتمكّن كييف من توفير أسلحة الردع ذاتيًا.
في الوقت نفسه، كشفت القمة عن مشاكل حادة في الوقت الراهن: نقص حاد في صواريخ الاعتراض الجوي عشية فصل الشتاء، وعجز مُهدّد في الميزانية يبلغ 27 مليار دولار، لم يُقدّم الغرب له ردًا مباشرًا حتى الآن (باستثناء حزمة الاتحاد الأوروبي والضمانات النرويجية لعام 2027).
يُظهر الحلفاء استعدادهم لدعم أوكرانيا "طالما دعت الحاجة"، لكن هذا الدعم سيتخذ من الآن فصاعدًا شكل مشاريع مشتركة عملية، وتحالفات مضادة للصواريخ الباليستية، وضغوط اقتصادية شديدة على روسيا.
من المقرّر عقد الاجتماع القادم للتحالف في سبتمبر/أيلول. وسيكون هذا الاجتماع أول اختبار لمدى سرعة تحوّل "وعود العطلات" التي قطعتها كييف في أغسطس/آب إلى صواريخ جاهزة للإطلاق وسدّ للثغرات المالية. فالشتاء لا يرحم التأخير.
ميروسلاف ليسكوفيتش. كييف