"رامشتاين- 36": أوروبا تتحمّل المزيد، وأوكرانيا تطالب بحلول أسرع

تتوقّع الولايات المتحدة من حلفائها تحمل مسؤولية أكبر تجاه أوكرانيا، وتقدّم كييف لشركائها التخلي عن الصواريخ من المخزونات الحالية مقابل الإمدادات المستقبلية.

في الثامن من سبتمبر، عقد حلفاء أوكرانيا الاجتماع السادس والثلاثين لمجموعة الاتصال المعنية بقضايا الدفاع الأوكرانية، بصيغة "رامشتاين". تميز هذا الحدث الافتراضي ليس فقط بانضمام وجوه جديدة إلى الوفد الأوكراني، بل أيضاً بتغير جذري في خطاب الشركاء الرئيسيين. وفي ظل اقتراب فصل الشتاء وتصاعد العمليات الجوية الروسية، ترأس الاجتماع كل من وزير الدفاع البريطاني ويس ستريتينغ ووزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس.

حضر الاجتماع رؤساء وكالات الدفاع من 50 دولة، بالإضافة إلى الأمين العام لحلف الناتو مارك روته، ونائب وزير الدفاع الأمريكي لشؤون السياسة إلبريدج كولبي.

ومثّل الدولة الأوكرانية في البداية القائد العام للقوات المسلحة الأوكرانية ميخايلو دراباتي، ووزير الدفاع يفهيني خمارا، اللذان أعربا عشية الاجتماع عن احتياجات ملحة، أبرزها نقل المزيد من معدات الدفاع الجوي والصاروخي.

هل استمع إلينا شركاؤنا؟ - في مراجعة وكالة أوكرإنفورم.

NATO

الصورة: حلف شمال الأطلسي

أبرز تصريحات المشاركين: "حلف الناتو 3.0" وتحول النهج الأمريكي

كان الخطاب الأبرز في الاجتماع السادس والثلاثين هو خطاب نائب وزير الدفاع الأمريكي للسياسة العسكرية، إلبريدج كولبي. شدّد فيه على ضرورة استعداد الحلفاء لنزاع طويل الأمد، في ظلّ سعي روسيا الاتحادية الحثيث لإعادة بناء قواتها المسلحة وتعزيز قدراتها الصناعية الدفاعية.

أشار كولبي إلى أن الولايات المتحدة لم تتخلَّ عن دعمها لأوكرانيا، لكنه أوضح بجلاء تغييرًا في الأدوار: فمن الآن فصاعدًا، يجب أن يقع عبء الدعم المالي والعسكري لكييف بالدرجة الأولى على عاتق الشركاء الأوروبيين. وأكد المسؤول الأمريكي أن الولايات المتحدة لا تستطيع التنبؤ بموعد انتهاء هذه الحرب، لكن هدفها هو تحقيق سلام دائم، وأن الواقع يتطلب من أوروبا تسريع وتيرة إعادة تسليحها وتصنيعها.

في هذا السياق، أشار إلى ما يُسمى بـ"الناتو 3.0"، وهي مبادرة "قائمة متطلبات أوكرانيا ذات الأولوية" (PURL) وبرنامج "جَمبستارت" (Jumpstart). وتتلخّص آلية البرنامج في أن يضطلع الحلفاء الأوروبيون بدورٍ ماليٍّ رائد، ويشترون معدات بالغة الأهمية، ولا سيما صواريخ اعتراضية وذخائر أمريكية الصنع، لتلبية احتياجات القوات المسلحة الأوكرانية. وبذلك، لا تدعم الاستثمارات الأوروبية القدرات الدفاعية لأوكرانيا فحسب، بل تُسهم أيضًا في دمجها في القاعدة الصناعية الدفاعية الأمريكية، مما يُحفز نموها. وهذه سياسة براغماتية كلاسيكية، حيث تُحوّل المصالح الأمنية إلى مكاسب اقتصادية لمصنّعي الأسلحة.

NATO

الصورة: حلف شمال الأطلسي

أكّد الأمين العام لحلف الناتو، مارك روته، نجاح هذا النهج. ففي كلمته، أشار إلى أن الحلفاء خصّصوا خلال العام الماضي وحده أكثر من 10 مليارات دولار لآلية PURL وبرنامج المبيعات العسكرية الخارجية لأوكرانيا. ومن هذا المبلغ، جاء 3.5 مليار دولار من قرض دعم أوكرانيا، وهو ما اعتبره روته دليلاً ملموساً على تعاون غير مسبوق بين الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو. وأكّد الأمين العام استمرار إمداد الولايات المتحدة بالأسلحة، بتمويل من الحلفاء الأوروبيين، دون انقطاع، وهو أمر بالغ الأهمية للحفاظ على خط المواجهة وحماية المدن في ظل الظروف التي تُطوّر فيها روسيا استخدام الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة الكورية الشمالية وتزيد من وتيرة استخدامها.

NATO

الصورة: حلف شمال الأطلسي

بصفته الرئيس المشارك للاجتماع، تفوّق وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس فعلياً على نظيره الأمريكي، مُظهِراً استعداد برلين لتكون من بين الدول الأوروبية الرائدة في هذا المجال. وأوضح بيستوريوس صراحةً تفهّمه للتصعيد الحتمي للغارات الجوية الروسية على البنية التحتية المدنية خلال موجة البرد القارس. وشدّد وزير الدفاع الألماني قائلاً: "أوكرانيا في سباق مع الزمن. الشتاء على الأبواب"، مُقرّاً بأنّ تجهيز منظومة الطاقة والمدن الأوكرانية لفصل الشتاء يُمثّل أولوية قصوى للحلف.

كان من أبرز ما جاء في خطاب رئيس الجيش الألماني (البوندسفير) إقراره بأن طموحات الكرملين لا تقتصر على حدود أوكرانيا. شدّد بيستوريوس على استخدام روسيا أساليب هجينة ضد الديمقراطيات الأوروبية، مستشهداً كدليل ملموس بالحادثة الأخيرة التي وقعت في مطار لايبزيغ، والتي تقف روسيا وراءها، والمتعلقة بطائرات مسيرة مجهولة. هذا يعني أن المؤسّسة الأوروبية قد فقدت أخيراً أوهامها بشأن إمكانية حصر الصراع في أوكرانيا. أقر بيستوريوس بصعوبة إيجاد دول الاتحاد الأوروبي توازناً بين دعم جيوشها ومساعدة القوات المسلحة الأوكرانية، لكنه وجه نداءً قاطعاً لزملائه قائلاً: "عند الشك، قرّروا لصالح أوكرانيا".

الصورة: وزارة الدفاع الأوكرانية

وبدوره، قدّم الوزير الأوكراني يفهيني خمارا للحلفاء صيغة تواصل جديدة تماماً. فبدلاً من خطاب التوسل، طرحت أوكرانيا مقترحاً لـ"شراكة ذات منفعة متبادلة"، حيث يُفسَّر الدعم لا على أنه إعانة خيرية، بل كاستثمار مباشر في الأمن الأوروبي.

أولاً، حدّد خمارا بوضوح الأولويات العسكرية: لحماية البنية التحتية، تحتاج أوكرانيا بشكل عاجل إلى 300 صاروخ "باتريوت" اعتراضي، و500 صاروخ "جو-جو" لمواجهة صواريخ كروز، بالإضافة إلى أنظمة صواريخ محمولة مضادة للطائرات، وملياري دولار لتمويل إنتاج الطائرات المسيّرة. وقد استخدم الوزير نهجاً مبتكراً قائماً على "المقايضة": إدراكاً منه أن معظم صواريخ "باتريوت" التي تم التعاقد عليها بتمويل من الاتحاد الأوروبي لن تصل إلاّ في السنوات القادمة، طلبت كييف نقل الصواريخ من مستودعات الشركاء الحاليين إليها الآن، مع التزامها بسداد هذه الديون بذخيرة محسّنة من الشحنات المستقبلية بموجب العقود الحالية. ويعكس هذا المقترح ضيق الوقت الحاد الذي يواجهه نظام الدفاع الجوي الأوكراني.

ثانيًا، أولى يفهيني خمارا اهتمامًا خاصًا بالبُعد التكنولوجي للحرب. ووفقًا له، فإنّ ما يصل إلى 90% من نجاحات القوات الدفاعية الأوكرانية في ساحة المعركة تُعزى حاليًا إلى استخدام الطائرات المسيّرة. وتتعارض الاستراتيجية الروسية لتحويل الصراع إلى حرب استنزاف واستنزاف موارد مع استراتيجية أوكرانيا القائمة على "التقنيات الذكية والسرعة". وأفاد الوزير بأن الصناعات الدفاعية الأوكرانية تختبر بالفعل وسائل رخيصة لاعتراض طائرات مسيّرة "شاهد" في ظروف القتال، وهو أمر بالغ الأهمية للحفاظ على صواريخ الدفاع الجوي الغربية باهظة الثمن.

NATO

الصورة: حلف شمال الأطلسي

أكّد وزير الدفاع البريطاني ويس ستريتينغ، في معرض تأييده لضرورة تكثيف الجهود قبل حلول فصل الشتاء، على عدم وجود بديل لنهج لندن. وصرّح بأن على روسيا أن تدرك بوضوح ثبات الغرب في دعم النضال الأوكراني، الذي وصفه بأنه نضال من أجل حرية أوروبا بأسرها.

تدقيق المساعدات: حزم المساعدات الحقيقية مقابل الوعود العالمية

كانت النتيجة العملية للاجتماع السادس والثلاثين لمجموعة الاتصال هي إعلان عدد من الدول عن حزم دعم محدّدة تتوافق بشكل عام مع الطلبات الأوكرانية.

لا تزال ألمانيا المانح الرئيسي في القطاع الأوروبي. وبقرار من بوريس بيستوريوس، تُسرع برلين في نقل صواريخ اعتراضية إضافية من طراز PAC-2 إلى أوكرانيا مباشرةً من مستودعات الجيش الألماني. إضافةً إلى ذلك، يُوسّع الجانب الألماني بشكلٍ ملحوظ إمدادات صواريخ "جو-جو" من طراز AIM-9، ويواصل النقل المنتظم لأنظمة الدفاع الجوي IRIS-T (متوسطة المدى) عالية الفعالية والصواريخ الموجهة إليها. ولا تقتصر ألمانيا على الدفاع الجوي فحسب، فقد أُعلن عن نقل طائرات مقاتلة من طراز F-16، وشراء طائرات استطلاع وهجوم بدون طيار، فضلاً عن تمويل عشرات الآلاف من قذائف المدفعية بعيدة المدى. وسيتم شراء الأخيرة من خلال اتحاد بريطاني متخصّص في المدفعية والدفاع الجوي. ومن الابتكارات اللافتة للنظر مشاركة ألمانيا في تطوير مشروع "قبة المدينة" – وهو نظام شامل متخصّص لحماية المدن الأوكرانية من الهجمات المشتركة بالطائرات بدون طيار والصواريخ.

من جانبها، دعمت المملكة المتحدة تصريحات ويس ستريتينغ مالياً بتخصيص 100 مليون جنيه إسترليني (116 مليون يورو) لحزمة دفاع جوي لأوكرانيا قبل حلول فصل الشتاء، تشمل صواريخ "باتريوت". وسيتم توريد هذه الأسلحة عبر آلية PURL. كما أفاد ستريتينغ بإتمام مرحلة التسليمات بنجاح في يوليو/تموز: فقد سلمت المملكة المتحدة بالفعل ذخيرة مدفعية ثقيلة العيار إلى أوكرانيا في يوليو/تموز، وستتلقى الجبهة قريباً عشرات الآلاف من القذائف الإضافية بتمويل من تحالف يضم ألمانيا والدنمارك وليتوانيا وهولندا والنرويج والسويد. وأكدت لندن أيضاً التزامات الدول السابقة بتسليم 120 ألف طائرة مسيرة هذا العام. وقد وصل منها 25 ألف طائرة إلى الجبهة، وبحلول بداية فصل الشتاء، ستتلقى القوات المسلحة الأوكرانية 95 ألف طائرة مسيّرة أخرى من أنواع مختلفة: من معدات المراقبة إلى منصات الهجوم القادرة على مهاجمة أهداف مباشرة على أراضي الاتحاد الروسي.

قدّمت هولندا مساهمة مالية قوية في الحرب التكنولوجية، حيث خصّصت 300 مليون دولار كجزء من مشروع "خط الطائرات المسيّرة"، ووعدت بنقل 300 صاروخ متخصّص لتدمير طائرات العدو مسيّرة.

أعلنت دول حليفة أخرى عن دفعات دعم كبيرة. فقد خصّصت النرويج حزمة مساعدات بقيمة 200 مليون دولار، سبق الإعلان عنها، لشراء صواريخ "باتريوت". وتستعد بولندا لتقديم حزمة مساعدات واسعة النطاق بقيمة 50 مليون يورو، سيُخصّص الجزء الأكبر منها لأصول الدفاع الجوي. وتقدّم السويد حزمة دعم بقيمة 28 مليون دولار، سيُخصّص نصفها (14 مليون يورو) لصندوق PURL. وحذت ليتوانيا حذوها، معلنةً عن مساهمة بقيمة 10 ملايين دولار في آلية PURL. وستموّل إسبانيا شراء وقود بقيمة مليوني يورو من خلال وكالة دعم وإمداد الناتو، كما ستوفّر صواريخ دفاع جوي وذخيرة مدفعية. أما إستونيا، التي أظهرت رؤية استراتيجية، فقد التزمت رسميًا بمواصلة دعم أوكرانيا بما لا يقل عن 0.25% من ناتجها المحلي الإجمالي حتى عام 2027.

إضافةً إلى ذلك، حصلت أوكرانيا على موافقة الاتحاد الأوروبي لشراء صواريخ "باتريوت" عبر قرض بقيمة 90 مليار يورو. كما أكّدت فرنسا، بالتنسيق مع إيطاليا، نقل منظومات الدفاع الجوي SAMP/T وصواريخ "أستر" بعيدة المدى المضادة للطائرات، والتي يجري العمل على توريدها حالياً.

* * *

تُسجّل نتائج مناورات "رامشتاين-36" أخيرًا التحوّل المفاهيمي للحلفاء من استراتيجية "إخماد الحرائق" الظرفية إلى التخطيط الصناعي طويل الأمد. وتتمحور الحملة العسكرية الدبلوماسية الغربية الخريفية حول أولوية رئيسية: ضمان بقاء البنية التحتية الأوكرانية تحت حماية الدفاع الجوي المتكامل.

أظهرت أوكرانيا في هذا الاجتماع مستوىً جديدًا من الوعي والنضج. فقد أرست تصريحاتها حول استعدادها لإبرام اتفاقيات مقايضة غير تقليدية لتبادل الصواريخ المستقبلية بالصواريخ الحالية من مستودعات شركائها، وتأكيدها القاطع على أن الدعم المالي استثمار مُربح وليس مجرد إعانة، قواعدَ جديدةً أكثر واقعيةً للعبة. وتجد أوروبا نفسها، تحت ضغط واشنطن (كما صرّح بذلك نائب وزير الدفاع الأمريكي)، مُجبرةً على تحمّل الجزء الأكبر من مسؤولية الأمن القاري. بدأ التحالف الغربي أخيراً ينظر إلى الجبهة الأوكرانية كخط دفاع جوي وبري، ويستثمر مليارات الدولارات لضمان عدم تحوّل التهديدات الهجينة الروسية التي أشار إليها الوزير الألماني إلى روتين عسكري في المدن الأوروبية. وبينما تواجه أوكرانيا أشهراً عصيبة للغاية، فإن توحيد الحلفاء حول ضمان استقرار الأجواء الأوكرانية عشية الشتاء يُعطي سبباً للتفاؤل الحذر، ولكنه مُبرّر.

ميروسلاف ليسكوفيتش. كييف