التداعيات البيئية للحرب: فاتورة ستُدفع لعقود

إلى جانب تدمير المدن والشركات، خلّفت الحرب آثارًا بيئية وخيمة ستظلّ أوكرانيا تعاني منها لسنوات قادمة.

لم تقتصر آثار الحرب في أوكرانيا على الخسائر البشرية والاقتصادية والبنيوية فحسب، بل امتدّت لتشمل عملية بيئية مستقلة، غيّرت التربة وشبكات المياه والهواء والغابات والمحميات الطبيعية. ولن ينتهي هذا التأثير بانتهاء القتال.

بحسب البيانات الرسمية، وحتى 16 مارس/آذار 2026، سجّلت هيئة التفتيش البيئي الحكومية وهيئاتها المحلية 10,885 حالة ضرر بيئي. وقد بلغ إجمالي الأضرار البيئية المُقدّرة ما يقارب 6.4 تريليون هريفنيا أوكرانية. ووفقًا لتقديرات البنك الدولي والمفوضية الأوروبية والأمم المتحدة وحكومة أوكرانيا (التقييم السريع للأضرار والاحتياجات 2025)، تتجاوز احتياجات أوكرانيا لإعادة التأهيل البيئي 85 مليار دولار أمريكي. تُعدّ هذه إحدى أكبر الأزمات البيئية في أوروبا منذ الحرب العالمية الثانية. وهذا ليس تقييمًا عامًا، بل فئات محدّدة من الخسائر: 1.34 تريليون هريفنيا أوكرانية – تلوّث التربة وتراكم النفايات في الأراضي، 1.15 تريليون هريفنيا أوكرانية – تلوّث  الهواء الجوي بمنتجات الاحتراق، 120 مليار هريفنيا أوكرانية – تلوّث   الموارد المائية وتراكم النفايات فيها، 3.8 تريليون هريفنيا أوكرانية – الأضرار التي لحقت بالأراضي وممتلكات صندوق المحميات الطبيعية. بحسب وزارة حماية البيئة والموارد الطبيعية في أوكرانيا، تأثّر نحو 30% من المحميات الطبيعية في البلاد بالحرب. ولا تزال بعض المحميات والحدائق الوطنية في مناطق النزاع أو تحت الاحتلال المؤقت، مما يحوّل دون رصد حالة النظم البيئية بشكل كامل.

تُظهر هذه الأرقام أن البُعد البيئي للحرب يُضاهي حجم كارثة اقتصادية كبرى.

الجو: الجبهة الخفية للحرب

من أبرز التداعيات المباشرة للأعمال العدائية تلوث الهواء. فالقصف الصاروخي، والقصف المدفعي، والحرائق في المنشآت الصناعية ومستودعات الوقود، تُنتج مزيجًا من المواد الخطرة، كالغبار الناعم، وأكاسيد النيتروجين، وأول أكسيد الكربون، والمركبات العضوية المتطايرة، وجزيئات المعادن الثقيلة.

وفقًا لوزارة البيئة، بلغ إجمالي انبعاثات غازات الاحتباس الحراري الناتجة عن الحرب خلال الألف يوم الأولى من الحرب الشاملة 180 مليون طن من ثاني أكسيد الكربون (CO₂). وهذا ليس مجرد مؤشر مناخي، بل هو مؤشر على حجم الحرائق والدمار والنزوح السكاني وفقدان الغابات والحوادث الصناعية.

يكمن خطر هذا التلوّث في أنه لا حدود واضحة له. إذ تحمل التيارات الهوائية الشوائب لمئات الكيلومترات، وقد تظهر عواقبه في ازدياد الأمراض المزمنة، وزيادة العبء على النظام الصحي، وتدهور جودة حياة السكان.

التربة: التربة السوداء بوصفها "أرشيفًا للحرب"

تُعدّ التربة السوداء الأوكرانية من أهم الموارد الاستراتيجية للدولة، وهي تتعرض لضغوط كبيرة نتيجة الانفجارات والحرائق وحركة المعدات الثقيلة والتعدين والتلوث بشظايا الذخائر.

تُغيّر الانفجارات التركيب الكيميائي للتربة، فتتراكم فيها المعادن الثقيلة ومخلفات المتفجرات والوقود ومواد التشحيم. كما تُؤدّي حركة المركبات المدرعة إلى ضغط التربة وتدمير بنيتها وتقليل قدرتها على الاحتفاظ بالرطوبة، مما يؤثر سلبًا على إنتاجيتها المستقبلية.

تُشكل الآثار طويلة الأمد مشكلة منفصلة. فتلوّث التربة لا يظهر دائمًا بشكل فوري، بل قد تتضح عواقبه بعد سنوات، في صورة انخفاض إنتاجية الأراضي، وتراكم المواد السامة في النباتات، أو فرض قيود على الإنتاج الزراعي. تُعد أوكرانيا من أكبر مُصدّري المنتجات الزراعية في العالم، لذا فإن تدهور التربة ليس مجرد مشكلة بيئية، بل هو أيضًا مسألة تتعلق بالأمن الغذائي وعائدات النقد الأجنبي للدولة. وسيؤثر فقدان خصوبة الأرض بشكل مباشر على القطاع الزراعي حتى بعد انتهاء الحرب.

المياه: المنظومة الأكثر هشاشة

تتأثّر الموارد المائية بشدة بالحروب. ويؤدّي تدمير السدود ومحطات الضخ ومحطات المعالجة والقنوات إلى سلسلة من التداعيات: تلوّث المياه السطحية، وانقطاع إمدادات المياه، وتغيّرات في النظام الهيدرولوجي، وتملح التربة، وتدهور الري.

كان تدمير محطة كاخوفكا الكهرومائية أبرز مثال على ذلك. فبحسب البيانات الرسمية، بعد تدمير السدّ، فُقد نحو 18 كيلومترًا مكعبًا من المياه، وغمرت المياه أكثر من 600 كيلومتر مربع من الأراضي، و64 ألف هكتار من الغابات، وانقطعت المياه عن 143 مستوطنة يقطنها أكثر من 852 ألف نسمة. وقد تجاوزت الأضرار البيئية المُقدّرة جراء هذه الجريمة 77.8 مليار هريفنيا أوكرانية، منها أكثر من 75.2 مليار هريفنيا أوكرانية خسائر في صندوق المحميات الطبيعية.

أظهرت كارثة كاخوفكا أن تدمير منشأة كهرومائية واحدة يمكن أن يغيّر التوازن البيئي لمنطقة بأكملها – من مياه الشرب إلى الإنتاج الزراعي وحالة المناطق الطبيعية.

الغابات والتنوّع البيولوجي: ضربة للبنية الطبيعية للبلاد

تُشكّل الحروب ضغطًا مستمرًا على الغابات والسهوب والأراضي الرطبة والمحميات الطبيعية. وتؤدي الحرائق والقصف والتعدين وانعدام إمكانية الوصول إلى المناطق الطبيعية وتدمير مواطن الحيوانات إلى فقدان التنوع البيولوجي.

وفقًا لتقرير صادر عن وكالة الغابات الحكومية، تم إخماد 1238 حريقًا في غابات القطاع عام 2025، على مساحة 5565.5 هكتارًا. وبلغت الخسائر المُقدّرة أكثر من 2.3 مليار هريفنيا أوكرانية. وفي يوليو/تموز 2025، كان أكثر من نصف حرائق الغابات ناجمًا عن القصف والمتفجرات.

أدّى ذلك إلى:

  • فقدان الموائل الطبيعية للحيوانات؛
  • تراجع أعداد الأنواع النادرة؛
  • اضطراب مسارات الهجرة؛
  • تدهور المناطق المحمية طبيعيًا.

هذا يعني أن الحرب تحوّل حرائق الغابات من خطر طبيعي أو منزلي إلى نتيجة مباشرة للأعمال العدائية. وقد يستغرق تعافي النظم البيئية للغابات عقوداً.

الألغام: مناطق تعافٍ مؤجل

أصبحت إزالة الألغام من أخطر التداعيات البيئية للحرب وأكثرها ديمومة. ووفقًا لمعلومات رسمية من منصة الحكومة "إزالة الألغام من أوكرانيا"، فإنّ ما يصل إلى 144 ألف كيلومتر مربع من أراضي أوكرانيا مُعرّضة للتلوّث بالألغام وغيرها من المواد المتفجرة، وتتطلّب عمليات تفتيش. وللمقارنة، فإنّ مساحة المناطق المُعرّضة للتلوّث بالمواد المتفجرة تُعادل مساحة دول مثل اليونان أو طاجيكستان. وتشير تقديرات وزارة الاقتصاد إلى أن عملية إزالة الألغام لأسباب إنسانية قد تستغرق عقودًا، حتى مع المساعدة الدولية.

هذه ليست مشكلة تتعلق بالسلامة فحسب، بل إنها مشكلة بيئية أيضًا. ولا يمكن عادة زراعة الأراضي الملغومة أو استكشافها أو إعادة تأهيلها أو تطهيرها. جزء من الأراضي "مجمّد" بالفعل: فهي تخرج من الدورة الاقتصادية والزراعية وحماية الطبيعة.

الحكومة مضطرّة بالفعل إلى إيجاد توازن بين الأمن والحاجة إلى إعادة الأراضي للاستخدام. ووفقا لوزارة الاقتصاد، فإنّ أكثر من 10000 هكتار من الأراضي المزروعة في حالة تلوث مشتبه به أو مؤكّد بسبب المواد المتفجرة. وهذا يوضح مدى تعقيد المشكلة: فالقطاع الزراعي لا يمكنه الانتظار لسنوات، ولكن يجب فحص كل هكتار.

الخسائر البيئية للحرب

إنّ التداعيات البيئية للحرب ليست قضية ثانوية بعد تدمير المدن وفقدان البنية التحتية، بل هي عبء مالي منفصل ستدفعه الدولة لعقود.

سيؤثّر تلوّث الهواء على صحة السكان، وستؤثّر التربة الملوثة على الأمن الغذائي، وستؤثّر شبكات المياه المتضرّرة على جودة حياة مناطق بأكملها، وستؤثّر الغابات والمحميات الطبيعية المدمّرة على القدرة على التكيف مع تغيّر المناخ والتنوّع البيولوجي.

الخلاصة الرئيسية هي أن إعادة التأهيل البيئي لا يمكن أن تكون إضافة إلى إعادة الإعمار بعد الحرب، بل يجب أن تصبح جزءًا لا يتجزأ منها، إلى جانب المراقبة، وإزالة الألغام، وتنقية التربة والمياه، وإعادة تأهيل الغابات، وتحديث السلامة الصناعية، والتعويض الدولي عن الأضرار من الدولة المعتدية.

لقد فُتح باب الحساب البيئي للحرب بالفعل. ولن يتضح حجمه النهائي إلاّ عندما تتجلى آثاره الخفية على المياه والتربة والهواء وصحة الإنسان.

على عكس منزل أو طريق مُدمّر، لا يمكن استعادة النظم الطبيعية في دورة ميزانية واحدة. فتكوين طبقة تربة خصبة يستغرق مئات السنين، وإعادة تأهيل النظم البيئية للغابات يستغرق عقودًا، وقد يكون تنقية المياه الجوفية شبه مستحيل في بعض الحالات. ولذلك، قد تُصبح التداعيات البيئية للحرب أطول أنواع الخسائر التي سترثها أوكرانيا بعد انتهاء الأعمال العدائية.

ديانا هورباتشوك، كييف